الشيخ محمد جواد البلاغي

178

الهدى إلى دين المصطفى

وهذا قريب من كيد الحكومات الوثنية الجورية القديمة في معاملتها مع أعيان الوطن وضعفاء الغرباء ، ولم يقل القرآن إن الذي سجنه هو زوج المرأة ، بل قال : ( ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين ) ، ولو نسبه إلى زوج المرأة لكان من الجائز أن يقصد به محاباة المرأة بالستر عليها ، كما قدمنا . واعترض أيضا على مضمون القرآن الكريم في أنها دعت لائماتها من نسوة في المدينة وآتت كل واحدة منهن سكينا فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن فقالت : هذا الذي لمتنني فيه ، واعترفت بأنها راودته فاستعصم . فقال ( ص 72 ) : هذا لا يتصور عقلا ، فلا يتصور أن تفضح نفسها ، ولا يتصور عاقل ، ولا جاهل أن النساء يقطعن أيديهن ولا يشعرن لدهشتهن من جمال يوسف . وأقول : إن سورة العشق وخلاعة الغرام تبعث على أكثر من هذا ولم يقل القرآن إن تلك النسوة من أشراف المدينة ، بل قال نسوة في المدينة ولعلهن صويحباتها في طاعة الصبابة والشهوة ، وكان لومهن لها إنما هو لأنها لم تكشف سترها وتفشي سرها لأبناء جنسها من الأعيان الذين يغازلونها إذا تغازلهم ، بل تعرضت لغلام وضيع لا يواتيها على مرامها ، وأصرت على ذلك حتى فضحها بقوله : هي التي راودتني عن نفسي ، فإن الناس لا يمتنع عليهم أن يصدقوا يوسف فضلا عن شهادة الآيات ، ولعل ما يشير إلى ذلك قوله تعالى ( فلما سمعت بمكرهن ) إذ سمى لومهن على الفحشاء مكرا ، أي ليس يلوم على الفحشاء في الحقيقة وأنما هو لوم على عدم سلوكها في الفحشاء بالنحو المألوف ، فأبدت لأرباب الهوى عذرها المقبول عندهم في الغرام ويشهد لذلك ما داخلهن عند رؤية يوسف إذ تنبهت صبابتهن المألوفة ، وحركتهن ممارسة المغازلة ، وإن عملها معهن ليدل على معرفتها بحالهن ، وانهن ممن يلبي دعوة العشق ويستخفه الغرام . ومن ذلك يظهر إنهن لا يمتنع عليهن في دين الغرام وناموس الشغف أن يقطعن أيديهن ، وسيما إذا كانت سقتهن من نتاج الكرمة ، ولا سيما إذا حسبن إعراضه دلالا ، وعفته تغنجا ، وخيل لهن أن إغضاءه من فتنة ألحاظه وإسراعه